الرئيسية / اخبار / أكتئاب ما بعد الولآدة

أكتئاب ما بعد الولآدة

يعد اكتئاب ما بعد الولادة (Postpartum depression)  نوعاً خطيراً من أنواع الاكتئاب التي تحدث بعد ولادة الطفل . ويمكن أن يبدأ الاكتئاب أثناء الحمل ولكن لا يطلق عليه اكتئاب ما بعد الولادة إلا إذا استمر بعد ولادة الطفل، وهو حالة شائعة فالإحصائيات تشير أن هناك ما بين عشرة إلى خمس عشرة امرأة من كل مائة امرأة تضع طفلاً وتصاب بهذه الحالة، ويمكن أن يفوق العدد الحقيقي هذا ارقم لأن العديد من النساء لا يقمن يتحاشين طلب المساعدة والتحدث مع الآخرين بأحاسيسهن.  وتشير التقارير أن اكتئاب ما بعد الولادة هو نوع خطير من الاكتئاب، حيث يؤثر فيما بين ١٠ إلى ١٦٪ من النساء بعد الولادة، وتُعجل من حدوثه التغيرات الهرمونية والبدنية، والتغيرات في أسلوب الحياة، فبعد إزالة المشيمة يصل مستوى الهرمونات الجنسية في جسم النساء إلى مستويات منخفضة للغاية، وبعض النساء سريعات التأثر بهذه التغيرات، وإذا كانت المرأة تُرضع طفلها رضاعةً طبيعيةً، فإن إنتاج الهرمونات من المبايض يظل متوقفًا، وبذلك يستمر مستوى الهرمونات الجنسية في الانخفاض، وقد يبدأ الاكتئاب خلال الحمل، في الغالب، حين يصاحبه قلق، ومن ثم يكون المصطلح الأكثر مناسبةً، هو اكتئاب الفترة المحيطة بالولادة.
   ومن الشائع بعد الولادة شعور المرأة بتدهور الحالة المزاجية، والبكاء، والخوف من كونها أمًا سيئة، وعدم القدرة على التأقلم؛ وهو شعور غالبًا ما يكون مؤقتًا، وحينها يعرف باسم كآبة ما بعد الولادة، وإذا استمرت هذه الأعراض لأكثر من عدة أسابيع، أو كانت شديدة، فمن المرجح أن تكون هذه الحالة هي اكتئاب ما بعد الولادة، وإذا ظلت المرأة مكتئبةً بعد الولادة، وليست لديها المقدرة على أداء دورها كأم، فإن الدواء المضاد للاكتئاب يمكن أن يكون طوق النجاة، ويجب أن تُراقب المريضة من كثب، وقد يتطلب الأمر إيداعها في مستشفى، إذ هناك خطر دائم من أن تعاني الأم دوافع لإيذاء نفسها، أو إيذاء طفلها الوليد، ومن المهم للغاية وجود شبكة عائلية وثيقة، لتقديم الدعم والرعاية دون التسرع في إصدار أحكام على الأم من العائلة والأصدقاء.
    وفي أغلب الأحيان لن تكون النساء المصابات بالاكتئاب مدركات أنهن مصابات به، وقد يركزن مشاعرهن السلبية على سلوك أطفالهن – على سبيل المثال، قد يقُلْنَ أشياء مثل: “ماذا لو ظل نائمًا”، أو “ماذا لو توقف عن البكاء”، أو “ماذا لو شرب زجاجة الرضاعة كاملة”، في هذه الحالات قد يكون لدى الأم، خاصةً مع مولودها الأول، أو الأم الكبيرة في السن، توقعات غير متزامنة مع سلوك الطفل الطبيعي، ومن المهم أن ينصت الأطباء، وأفراد الأسرة، إلى هذه المخاوف بصدق، وألا يستخفوا بها، فبعض الأطفال يصعب إرضاؤهم، حيث يكونون كثيري المطالب، وقد تحتاج النساء إلى أن تشعر الواحدة منهن بالدعم، وبث الطمأنينة في نفسها، كما تحتاج إلى التوعية، حيث إن فترة ما بعد الولادة هي فترة عدم النوم، والتكيف، واحتياج الطفل الشديد لها، وربما تكون هناك حاجة إلى وضع بعض إستراتيجيات البقاء البسيطة، كما أن إطعام الطفل، والحصول على الطعام الكافي، وممارسة الرياضة بصور كافية، علاوة على انتهاز كل فرصة للراحة والنوم، هي من الأولويات المهمة لكل أم.
يمكن أن يساعد العلاج بالبروجسترون الطبيعي على تخفيف الاكتئاب، كما قد يُعطى مع دواء مضاد للاكتئاب، والأفضل أن يُعطى البروجسترون على هيئة كريم، وتتراوح الجرعات ما بين ٢٠ و٤٠٠ ملغم يوميًّا.
وإذا كان الإرهاق شديدًا، فقد تستطيع كبسولات هرمون الديهيدرو إيبي أندروستيرون تجديد النشاط، وترفع من الحالة المزاجية غالبًا في غضون أسبوع من استخدامها، وتتفاوت جرعات هرمون الديهيدرو إيبي أندروستيرون ما بين ١٠ و٣٠ ملغم يوميًّا.
وبشكل عام، لا يتداخل العلاج بالبروجسترون أو الديهيدرو إيبي أندروستيرون، أو بكليهما معًا، مع الرضاعة الطبيعية، وهما آمنان للاستخدام حتى يزول الاكتئاب؛ وقد يستغرق ذلك أشهرًا قليلة جدًّا.
أما إذا كان الإرهاق، أو الأعراض الجسدية الأخرى، مسيطرًا، فمن المهم البحث عما إذا كانت هناك مشكلة طبية تعانيها السيدة، مثل اضطرابات الغدة الدرقية، والأنيميا، وإرهاق الغدة الكظرية، والأمراض المناعية، والنقص الغذائي؛ حيث يوجد علاج مخصص لكل حالة منها، ولا ينبغي لأحد أن يفترض أن الإرهاق هو مجرد عرض للاكتئاب.
وإذا قررت المريضة عدم إرضاع طفلها، يمكن أن تساعد هرمونات أخرى على الحد من اكتئاب ما بعد الولادة. ويمكن إجراء اختبار دم لتحديد مستوى هرمون التستوستيرون وهرمون الإستروجين، وإذا ظل مستوى هذه الهرمونات منخفضًا لمدة ٨ أسابيع بعد الولادة، فقد يُستخدم كريم يحتوى على الإستروجين، أو التستوستيرون، أو كليهما معًا، وسوف يعيد الإستروجين والتستوستيرون الرغبة الجنسية، علاوة على تحسين الحالة المزاجية، وإذا تم استخدام جرعات صغيرة على شكل كريم، فلن يكون هناك خطر كبير من حدوث تجلطات في الدم، ومن غير الممكن استخدام الإستروجين، إذا كانت المرأة تُرضع، حيث يمكن أن يقلل ذلك من كمية اللبن.
ويمكن أن تساعد المكملات الغذائية التي تحتوي على زيت السمك، والماغنسيوم والحديد، ومجموعة فيتامينات ب، في تخفيف اكتئاب ما بعد الولادة والإرهاق.
ولا ينبغي التعجل في وقف المرأة التي تعاني اكتئاب ما بعد الولادة عن تناول الدواء المضاد للاكتئاب، أو العلاج الهرموني، نظرًا إلى أن هناك أنواعًا شديدة من الاكتئاب، ومن الضروري تجنب تعرضها لأية انتكاسة، ومع عدم شيوع قتل الرضيع أو الانتحار، فمن المهم إدراك أن اكتئاب ما بعد الولادة من الأسباب الكبيرة للوفيات المرتبطة بالانتحار للأمهات، ويكون خطر قتل الرضع في أعلى مستوياته خلال السنة الأولى من عمر الطفل.
ويحرص الأطباء على التفريق بين مرض الاكتئاب وذُهان ما بعد الولادة، حيث يظهر خلال الأيام أو الأسابيع القليلة الأولى بعد الولادة، وتعاني السيدات المصابات بذهان ما بعد الولادة أوهامًا وهلاوس، كما تكون مضطربةً للغاية، وشديدة الاهتياج، ومفرطة النشاط؛ وخلال هذه الفترة من ذهان ما لعد الولادة يصبح كل من الأم والطفل معرضين لخطر كبير، ومن الضروري إيداعها في مستشفى لتجنب أية عواقب مأساوية، ومن المرجح أن يحدث هذا النوع من الذُهان في النساء اللاتي لديهن تاريخ عائلي، أو تاريخ سابق للاضطراب ثنائي القطب، أو الهوس الاكتئابي، أو مرض الفصام.
وإذا أصيبت المرأة باكتئاب شديد خلال الحمل، أو في أثناء فترة الرضاعة، فسوف يكون عليها أن تقرر أن تتناول أدوية مضادة للاكتئاب، أم لا – ويمكن أن يكون ذلك معضلة كبيرة، لأن رضيعها سوف يكون معرضًا للخطر بدرجة ما في هذه الحالة بسبب الدواء، وعمومًا الأدوية المضادة للذهان، والمضادة للاكتئاب، آمنة نسبيًّا خلال الحمل والرضاعة، وقد استمدت معلومات الأمان في الأساس من قواعد البيانات والتجارب غير مزدوجة التعمية، وبالتالي هذه المعلومات غير وافية.
ويرتبط استخدام مثبطات استرداد السيروتونين الانتقائية بمخاطر عالية نسبيًّا للإصابة بالاعتلالات القلبية وفرط ضغط الدم الرئوي، وترتبط كل الأدوية المضادة للاكتئاب والمضادة للذهان بمخاطر عالية بالنسبة إلى الولادة المبكرة نسبيًّا (متوسط ٣٩ أسبوعًا مقارنةً ب٤٠ أسبوعًا)، وبأعراض انسحاب في الرُضَّع (اضطرابات نوم وتهيج شديد) .
وهناك خطر على الأم والطفل إذا لم يعالج الاكتئاب بطريقة فعَّالة، ولذلك يجب أن يأخذ الأم والأب كل الإيجابيات والسلبيات بعين الاعتبار، ويرتبط اكتئاب الفترة المحيطة بالولادة بالولادة المبكرة، وانخفاض وزن المولود، وسوء التغذية، وضعف الترابط مع الطفل، علاوةً على خطر طفيف من قتل الرضيع، أو انتحار الأم.

بقلم

الدكتور علي عبد الزهرة الفحام

شاهد أيضاً

شعبة الجودة في كليتنا تقيم محاضرة علمية عن مخاطر سوء استخدام المضادات الحيوية

أقامت شعبة الجودة في كلية التمريض/جامعة الكوفة محاضرة حول (مخاطر سوء استخدام المضادات الحيوية) يوم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *